الضحك بلسم الهموم
ما أحوجني إلى ضحكة تخرج من أعماق صدري ! ضحكة تملأ شذقي فتفرج كربي ، وتكشف همي ! فأنا لست أدري لماذا تجيني الدمعة ، وتستعصي على الضحكة ، ويسرع إلي الحزن ، ويبطئ علي السرور ، لكان في تفسي مستودعا كبيرا من اللون الأسود ، فلا يظهر مظهر أمام العين حتى تسرع النفس ، فتغترف منه غرقة و بها كل المناظر التي تعرض لها ، ثم ليس لها مثل هذا المستودع من اللون الأبيض !
ولكن ، لم خضت الطبيعة الإنسان بالضحك ؟
السبب أن الطبيعة لم تحمل حيوانا من الهموم ما حملته الإنسان ، فهم الحيوان أكلة ياگلها في سذاجة وبساطة ، وشربه يشربها في سذاجة وبساطة أيضا ، فإذا قال الحمار قبضة من تبن ، وحفنة من فول ، وغرفة من ماء ، فعلى الدنيا العفاء ، ولكن ، تعال معي ، فانظر إلى الإنسان المعقد المركب ؟ يحسب حساب غده ، كما يحسب حساب يومه ، وكما يحسب حساب أمسه ) ويخلق من هموم الحياة ما لا طاقة له به .
وإن الطبيعة عودتنا أن نجعل لكل باب مفتاحا ، ولكل گزب ځلاصا ، ولكل عقدة حلا ولكل شدة فرجا ، فلما رأت الإنسان يكثر من الهموم ، ويخلق لنفسه المشكلات والمتاعب التي لا حد لها ، أوجدت لكل ذلك علاجا ، فكان الضحك .
والطبيعة ليست مسرفة في المنح ، فلما لم تجد للحيوانات كلها هموما ، ثم تضحكها ، ولما وجدت الإنسان ، وحده ، هو الهموم المغموم ، جعلته ، وحده ، هو الحيوان الضاحك .
العفاء : الهلاك . الزوال
لو أنصف الناس ، لاستغنوا عن ثلاثة أرباع ما في «الصيدليات » بالضحك ، فضحكة واحدة خير ألف مرة من « برشامة أسبيرين » ، و حبة « كينين » ، و ما شئت من أسماء أعجمية وعربية ، ذلك لأن الضحكة علاج الطبيعة ، و « الأسبيرين » ، وما إليه علاج الإنسان ، والطبيعة أمهر علاجا ، و أصدق نظرا ، وأكثر حنكة ، ألا ترى كيف تعالج الطبيعة جسم الإنسان بما عمده من حرارة وبرودة ، وكرات خمر وبيض ، وآلاف من الأشياء ، يعالج بها الجسم نفسه ليتغلب على المرض ، ويعود إلى الصحة ، ولا يقاس بذلك شيء من العلاج المصطنع ؟
ولو أنصفنا أيضا ، لعددنا مؤلفي الروايات المضحكة ، والنكت والنوادر البارعة التي تستخرج منك الضحك ، وتثير فيك الإعجاب والطرب ، وهؤلاء الذين يضحكون بأشكالهم وألاعيبهم وحركاتهم . أقول : لو أنصفنا . لعددنا كل هؤلاء أطباء يداوون النفوس ، ويعالجون الأرواح ، ويزيحون عنا الاما ، أكثر مما يفعل أطباء الأجسام
إنما الضحك بلسم الهموم ، ومرهم الأحزان ، له طريقة عجيبة يستطيع بها أن يحمل عنك الأثقال ، ويحط عنك الصعاب ، ويقك منك الأغلال - ولو إلى حين . حتى بقوى ظهرك على النهوض بها ، وتشتد سواعدك لحملها .

إرسال تعليق