مفهوم الثقافة
1- الثقافة في اللغة
بالعودة إلى قاموس لسان العرب وقاموس محيط المحيط ، نجد أن كلمة ثقافة نت إلى فعل ثقف ، ولهذا الفعل في العربية عدة معان أهمها ثلاثة :
في المعنى الأول يفيد الحذق و الفهم وسرعة التعلم . يقال ثقف الرجل الشيء أي حذقه ، وثقف ثقفا صار حاذقا . ويقال امرؤ ثقف أي ذو فطنة وذكاء بمعنى أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه وواثق مما يفعل . وهكذا فأصل الثقف هو الحذق في إدراك الشيء علما أو عملا ، فهو إذا يتضمن معنى الغلبة .
هذا المعنى الأول يقود إلى المعني الثاني الذي يدل على الغلبة والظفر على الآخر بالحذق . كما أنه يتضمن المصادفة والوقوع على الآخر ، ولكن معنى الغلبة هو السائد في يتضمن الحالتين.
أما المعنى الثالث فيدل على التسوية و التقويم والإصلاح . استخدمت في البداية لتسوية الرمح وتقويمه بالثقاف ( وهو قطعة من حديد ) .
ومن ذلك كلمة تثقيف تعني التسوية ، كما تعني تقويم الاعوجاج هذا المعني استخدم من ثم من باب الاستعارة في مجال التأديب والتهذيب فيقال قف الولد أي علمه وهذبه ولطفه .
أما في اللاتينية عموما والفرنسية خصوصا فكلمة ثقافة تشتق من فعل يعني الزراعة والاستنبات كما يشير إلى ذلك قاموس ROBERT ومن هذا المعنى أتت من باب الاستعارة أيضا مسألة تنمية بعض الملكات العقلية بواسطة المران و التدريب الذهني المناسب .
تقودنا هذه المعاني اللغوية إلى المعنى الفكري لكلمة ثقافة . على أن اشتقاقات الفعل بالعربية خصوصا ثالثها تقود أيضا إلى المعنى الاجتماعي الأوسع الذي يعني الاجتماعية للأطفال .
2- الثقافة فكريا
تعني كلمة ثقافة من هذا المنظور اكتساب المعارف التي تنمي الحس الفدي و الذوق والحكم . وقد تتخصص الثقافة من خلال اكتساب معرفة متعمقة في مجال معين كالفلسفة والأدب ، أو الفنون والعلوم على اختلافها . أو هي تتخذ معنی عاما يدل على المعرفة خارج نطاق الاختصاص وفي المجالات الفكرية المختلفة التي تعتبر ضرورية لكل إنسان مستنير ، مما يتيح له التعامل مع قضايا الإنسان عموما بدرجة متقدمة من الانفتاح والاستيعاب والشمول . ويشكل الاكتساب المعيار للثقافة الفكرية وذلك في مقابل الذكاء الفطري ، وقد تم هذا الاكساب من خلال عملية تربية منظمة تؤدي إليه
هذا المفهوم شاع في القرن الثامن عشر في الفكر الغربي الفلسفي والألماني منه خصوصا ، حيث نشأ هذا المفهوم أول ما نشأ ، مع الأبحاث والمحاولات التي قامت لكاية التاريخ العام للإنسانية » بمعنی حضاري يلقي الضوء على المؤسسات والتيارات الفكرية والفنية والعلمية ، وعلى مختلف محطات ومراحل التقدم البشري . استخدم الألمان هذا المفهوم إذا للتعبير عن التطور الحضاري ذي الوجهة التقدمية . إلا أنه استخدم أيضا وعلى سبيل التوسع بالمعنى اللغوي الأصلي له بالفرنسية للإشارة إلى "غرس العلوم والآداب" في النفوس ، وتكوين العقل ، والتقدم الذهني للإنسان ، ثم اتسع المعنى ليشمل التقدم الذهني والاجتماعي الانسان عموما .
وبذلك تظل كلمة ثقافة على الصعيد الفكري تعني عملية ترقية للإنسان الفرد مختلف المضامين الروحية والذهنية والفنية والعلمية . فالتثقيف هو العمل الذي يبذله الإنسان لغاية تطوير ذاته في فعل خلاق يتضمن الاقتدار على تخطي حتميات الطبيعة من خلال تمثل أفضل الأفكار التي عرفها العالم وتطوير الخصائص الإنسانية المميزة .
هذا المعنى هو الذي يشيع في الاستخدام الجاري لكلمة « ثقافة » ، وتعبير » « المثقفين » . من دلت تسمية وزارة الثقافة بمعنى المعارف العامة والفنون والآداب عند الجمهور .
3. الثقافة بالمعنى الاجتماعي الواسع
تطورت فكرة الثقافة على يد علماء الانجليز وعلى رأسهم « تايلور ) من خلال دراساتهم عن الشعوب والقبائل البدائية . ولقد قام الأميركان بتوسيع فكرة الثقافة هذه اجتماعيا حتى أنها تساوت لديهم مع مفهوم الحضارة في دراساتهم على تلك الشعوب . ولقد وضع الانجليزي « تايلور » عام 1871 في كتابه عن « الثقافة البدائية » تعريفا لايزال يعتبر إلى الآن من اکمل التعريفات للثقافة بالمعنى الاجتماعي .
يقول هذا التعريف الذي تداولته الكتب والأقلام مايلي : « الثقافة أو الحضارة ، بمعاها الواسع ، هي تلك المجموعة المركبة التي تتضمن المعارف والمعتقدات والفن والأخلاق والأعراف وكل الاستعدادات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع ) . الجديد في هذا التعريف الذي يغلب عليه الوصف هو ابراز الثقافة الا بوصفها ارتقاء انسانيا أو تقدما اجتماعيا ، بل بارجاعها إلى مجموعة من الوقائع الاجتماعية التي تميز وضعية شعب ما ، والتي يمكن ملاحظتها مباشرة في نشاطه وتفاعله الاجتماعي خلال حقبة من الزمن ، أو تتبع تطورها عبر حقب عديدة .
وبهذا المعنی زال التفريق القديم ما بين الثقافة والحضارة ، بعد فترة من محاولات التمييز بينهما . فلقد درجت العادة على اعتبار الحضارة ذلك الجانب الذي يرتدي طابع عقلانیا ملازما للتقدم الانتاجي والتقني ، بينما تمثل الثقافة ذلك الجانب الروحي والفكري هذا هو تقريبا التمييز الذي تقيمه اللغة العربية حيث تعتبر الحضارة مجموع المنجزات الاجتماعية ، بينما تعتبر الثقافة حالة التقدم العقلي وحده ، أو مجمل الجوانب الذهنية الحضارة معينة ( قاموس ROBERT ) من مثل الثقافة العربية والصينية ، و اللاتينية
أما الحضارة بالنسبة لنفس القاموس فإنها مجموعة مكتسبات المجتمعات الإنسانية ضد حالة البربرية و الطبيعية . ويرى « معن زيادة » أن الحضارة هي مجمل الإنجازات الكبرى للإنسانية وتراكمها وتناقلها عبر الأجيال - أي السير في خط مغایر لخط التكرار الوراي فهي وإذا مجموعة التصورات التي حدثت على صعيد سيطرة الإنسان على الطبيعة و اکتشاف أسرارها وبناء التكنولوجيا ، وظهور المدنية وبناء المؤسسات مع ما يرافقها من بني فوقية
الثقافة بالمفهوم الاجتماعي عامة لكل المجتمعات - فلا مجتمع بدون ثقافة - ذلك أنها تمثل حالة عبور الإنسان من الميلاد البيولوجي إلى الميلاد الاجتماعي ( العبور من الجسد البيولوجي إلى الكائن الاجتماعي والثقافة هي الحالة الاجتماعية للإنسان على اختلاف درجات تطورها وتعقيدها . أما الحضارة فتمثل حالة التركيب الأعلى للثقافة . إنها مجموعة من الثقافات الخاصة التي جمعها رابط أو أصل مشترك وهو ما يطلق عليه أيضا اسم المنطقة الحضارية الحضارة الصينية - الحضارة المصرية القديمة - الحضارة الأمريكية الجنوبية .. إلخ ) .
على كل حال يميل هذا التمييز حاليا إلى فقدان أهميته ، بينما نرى مفهوم الثقافة يزداد تعزيزا لأنه خال من الأحكام المعيارية التي تنطلق من درجة التطور والتعقيد والتقدم . فكل معقدة بصرف النظر عن تطورها . ونتيجة لهذا التعزيز نرى هذا المفهوم يعرف العديد من الاشتقاقات للتعبير عن دراسة مختلف حالات التفاعل داخل المجتمع الواحد وبین مختلف المجتمعات من مثل : التراكم الثقافي - التغيير الثقافي – الصراع الثقافي – الاتصال الثقافي - التأثير الثقافي ( التثاقف ) - التطور الثقافي . . .
الثقافة هي إذا مجمل ما يقدمه المجتمع لأبنائه من عادات وقيم وأساليب سلوك وتوجهات وعلاقات وأدوار وتقنيات كي يتعلموها ويتكيفوا معها . فهي نمط معيشة للجماعة لا أكثر ولا أقل . إنها طريقة ائتلاف هذه العناصر معا كي تكون كلا يعطي للجماعة طابعها متقاربة في مختلف المجتمعات إلا أن هناك اختلافا في التألف يعطي بني مختلفة ومتفاوتة في درجة تعقيدها ، وهو ما يميز ثقافة عن أخرى .
الثقافة توجه المنتمين إليها من خلال اكتسابهم لنفس طرق التفكير والتصرف المميز ، وكيانا من أساليب السلوك والعلاقة والتعبير ، ومع أن المقومات الأساسية للثقافة والتفاعل ، والمتراكهم فيها على الصعيدين الموضوعي والرمزي في آن معا ، إنها تشكل المتمين إليها عقليا ونفسيا و علائقيا ( المرتبة الاجتماعية والعلائقية ) و حتی جسميا من خلال التماهبات الجسدية ( تعبيرات الوجه ، أسلوب الجلوس والمشي والأكل والنوم والمواقف ) وعلى صعيد الذوق والتفضيلات والنظرة إلى الذات والوجود . الثقافة بهذا المعنى الاجتماعي هي إذا انتماء وهوية . إنها الهوية الخاصة بمجتمع معين .


إرسال تعليق